Title أكتوبر 2024

الفائدة اللاهوتية الموسّعة للعطاء لله

1. العطاء كخدمة استحقاقية  وليس مجرد صدقة

من منظور لاهوتي، العطاء المسيحي لا يُعد مجرد التبرع، بل هو خدمة استحقاقية ، أي أننا أمناء على ما وهبنا الله: المال، الموارد، الوقت، المواهب. هذه الأمنة تنبثق من فهمنا أننا جميعًا مملوكون لله وليس لنا الحق المطلق في ممتلكاتنا، بل نُدعو لمشاركة ما نملك في خدمة ملكوته.

في العهد الجديد، يعلّم الرسول بولس أن العطاء من واجب المؤمن: في “كورنثوس الثانية 8” يتحدث عن “نعمة العطاء” التي وُجدت في كنائس مقدونية، حيث أعطوا “حَسَبَ طَاقَتِهِم” بل “فَوْقَ طَاقَتِهِم” بإرادتهم الصادقة. 
هذا يبيّن أن العطاء ليس فقط لملء احتياجات الآخرين، بل هو انعكاس لنعمة الله التي تعمل فينا لكي نكون أولاداً أمناء.

2. الكرم الإلهي والعطاء البشري

من الناحية اللاهوتية، الله لا يمنحنا فقط ليُعطي إنما هو الله المعطي. هذا الجوهر الإلهي ينعكس في العطاء البشري: عندما نعطي، فإننا نُظهر “طبيعة الله المعطاءة”  العطاء البشري يُعد وسيلة لكي يُجلى فينا هذا البعد الإلهي، ويُظهر إعطاء الله لنا أولًا (نعمة الخلاص، المواهب، الدعوة) ثم استجابتنا في العطاء.

بولس يقول في 2 كورنثوس 9:8 (ترجمة AVD):

«والله قادر أن يزيدكم كل نعمة، لكي تكونوا ولكم كل اكتفاء كل حين في كل شيء، تزدادون في كل عمل صالح.»
هذا يشير إلى أن العطاء لا يُضعِفنا بل يعزّزنا من خلال نعمة الله التي تزودنا بما نحتاجه لكي نعطي أكثر.

3. العطاء كذبيحة شُكْر وعلامة عبادة

من منظور روحي ولاهوتي، العطاء يتحول إلى ذبيحة شكر — ليس ذبيحة بالمعنى القديم فقط، بل فعل عبادي يقدّم الله من خلالنا ما يُمجد اسمه. في تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي لرسالة كورنثوس الثانية (الفصل 9) يوضح أن عندما نعطي، لا نعطي فقط لتلبية الاحتياج، وإنما “يزداد شكر كثير لله” بفضل طيبّة قلوبنا وسخائنا.
هذه الذبيحة لا تُرضي الله فحسب، بل تُظهر امتناننا لنعمة الخلاص التي أعطانا إياها.

4. العطاء والنمو الروحي

من الناحية اللاهوتية، العطاء ليس مجرد تصرف خارجي، بل له تأثير داخلي عميق: يُطهِّر القلب من الأنانية، ويزيد في الإيمان، ويُنمّي الروح المسيحية فينا. بولس يقول أن العطاء “يُكثِّر بذاركم ويُنمي غلال برّكم.”
هذا لا يعني أن البرّ يُقاس بالعطاء فقط، لكن العطاء هو واحدة من وسائل عملية للبر الروحي.

5. التوازن بين العطاء ومساواة الكنيسة

لاهوت العطاء يشمل أيضًا بعداً اجتماعيًا — مساواة في الكنيسة. في 2 كورنثوس 8، يتحدث بولس عن مبدأ “المساواة”: حتى لا يكون بعض المؤمنين في ضيق بينما آخرون في وفرة، بل أن يكون هناك توازن (مساواة) في ما يُعطى ويُؤخذ، بحسب الحاجة والقدرة.
هذا المبدأ اللاهوتي يعكس محبة المسيح والاهتمام الاجتماعي داخل جسد الكنيسة: العطاء ليس فقط للبركة الفردية، بل لتقوية المجتمع المسيحي كمجتمع متكامل ومتراحم.

6. الأمل والأبدية: الاستثمار الأبدي

من منظور إيماني، العطاء يُعد استثمارًا أبديًا: ليس فقط لأنه يفيد الناس الآن، بل لأنه يملك بعدًا روحانيًا أبديًا. تذكيرنا بأن “برّ الله يدوم إلى الأبد” (كما يُشار إليه في 2 كورنثوس 9:9 في بعض الترجمات بناءً على اقتباس من العهد القديم) يُعزز هذا الفهم: ما نعطيه ليس زائلًا فقط، بل يحمل ثمرًا أبديًا في خطة الله.


 

Print this post

الرُّوحُ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ—حَتَّى أَعْمَاقَ الله

١ كورنثوس ٢: ١٠–١١

«فَأَعْلَنَهَا اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ، لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. لأَنَّهُ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هَكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ».


المقدّمة

من الصفات العجيبة للروح القدس قدرته على فحص الأمور الخفية وكشف الحقائق المستترة، حتى أعماق الله نفسها. فما هو مخفي أو غامض لا يبقى كذلك، بل يُعلَن لنا بواسطة إعلان الروح. في هذا التعليم نتأمل في أنواع مختلفة من “الأسرار” — وهي في الكتاب المقدس لا تعني أمورًا غامضة بلا معنى، بل حقائق إلهية عميقة لا تُدرَك إلا بالروح القدس.


ثلاثة أنواع رئيسية من الأسرار

  1. أسرار الإنسان

  2. أسرار الشيطان

  3. أسرار الله


أولًا: أسرار الإنسان

يعطينا الروح القدس حكمة وتمييزًا لفهم قلب الإنسان ونواياه الخفية. فكما كان الرب يسوع يعرف ما في قلوب الفريسيين ويدرك مكرهم، هكذا يساعد الروح المؤمنين على تمييز الأفكار والدوافع البشرية.

مثال: يسوع وفخ الجزية

متى ٢٢: ١٥–٢٢
حيث كشف الرب نواياهم الخبيثة ولم ينخدع بمكرهم.

مثال: حكمة سليمان

١ ملوك ٣: ١٦–٢٨
إذ أعطى الله الملك سليمان حكمة فائقة فاستطاع أن يكشف الأم الحقيقية للطفل، مظهرًا أن الله قادر أن يعلن ما في القلوب.

كما أن الروح القدس يكشف الأمور الخفية من خلال الأحلام والرؤى. فقد فسّر يوسف أحلام فرعون (تكوين ٤١)، وفسّر دانيال حلم نبوخذنصر (دانيال ٢)، مبرهنين أن الروح يمنح فهمًا حيث يعجز العقل البشري.


ثانيًا: أسرار الشيطان

نادراً ما يعمل الشيطان في العلن، بل يتنكر «كَمَلاَكِ نُورٍ» (٢ كورنثوس ١١: ١٤). ومن دون الروح القدس قد ينخدع المؤمنون بتعاليم كاذبة، أو معجزات مزيفة، أو رؤى مضلِّلة.

مثال: أنبياء الزيف في ثياتيرا

رؤيا ٢: ٢٤

«وَلكِنَّنِي أَقُولُ لَكُمْ وَلِلْبَاقِينَ فِي ثِيَاتِيرَا، كُلِّ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ هذَا التَّعْلِيمَ، وَالَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا أَعْمَاقَ الشَّيْطَانِ، كَمَا يَقُولُونَ…».

نوعا الأنبياء الكذبة:

  1. خدام مضلَّلون دون قصد
    مثل بطرس عندما حاول أن يمنع يسوع عن طريق الصليب (متى ١٦: ٢٢–٢٣)، أو أنبياء آخاب الأربعمائة الذين خدعتهم روح كذب (١ ملوك ٢٢).

  2. خدام للشيطان عن قصد
    وهم الذين يعملون بقوة شيطانية وهم متخفون في ثوب التقوى. حذّر يسوع منهم قائلاً:
    متى ٧: ١٥–٢٠
    تعاليمهم غالبًا ما تتمحور حول الماديات، والتلاعب بالناس، وإثارة العواطف، دون أساس كتابي صحيح.

لذلك يعطينا الروح القدس تمييزًا لفحص الأرواح ومعرفة الحق من الباطل:
١ يوحنا ٤: ١.


ثالثًا: أسرار الله

لله أسرار إلهية لا يقدر أحد أن يعرفها إلا بإعلان من الروح القدس، مثل سرّ المسيح، وملكوت السماوات، وطرائق الله في العمل.

مثال: المسيح في وسطنا

قد يأتي إلينا الرب اليوم في صورة المتواضعين أو الفقراء أو خدامه. والذين امتلأوا من الروح يعرفونه في الآخرين، كما قال:

متى ٢٥: ٣٥–٤٠

«بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ».

أسرار الملكوت

متى ١٣: ١١

«لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ…».

فهذه الأسرار لا تُدرَك بالذكاء البشري فقط، بل تُفهم بالتمييز الروحي.

أمثلة على أسرار الله:

  • الله محبة (١ يوحنا ٤: ٨).

  • العطاء يفتح باب البركة (لوقا ٦: ٣٨).

  • الاتضاع يسبق الارتفاع (يعقوب ٤: ١٠).

  • الألم كثيرًا ما يقود إلى المجد (رومية ٨: ١٧).

كثيرون يفقدون هذه الحقائق لأنهم بلا الروح. فيسألون: «لماذا لا يكلمني الله؟»
لكن الله يتكلم باستمرار من خلال كلمته، وخدامه، وروحه. المشكلة ليست في صمت الله، بل في الصمم الروحي.


تشجيع أخير

لكي نميّز كل الأسرار — سواء كانت من الإنسان، أو من الشيطان، أو من الله — يجب أن نمتلئ من الروح القدس. ويتحقق ذلك بالثبات في كلمة الله، وبالصلاة المستمرة (وساعة يوميًا بداية جيدة)، وبحياة خضوع كامل للرب.

لوقا ٢١: ١٤–١٥

«فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنْ لاَ تُفَكِّرُوا مِنْ قَبْلُ كَيْفَ تَحْتَجُّونَ، لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا».

نحن نعيش في عالم مليء بالتعقيدات الروحية، ومن دون الروح القدس نكون عرضة للخداع. أمّا معه، فنستطيع أن نميّز كل شيء.

«وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يَرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ»
(يوحنا ١٦: ١٣)

الرب يبارككم. 


 

Print this post

أَهْلَكَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا

أهلًا وسهلًا بكم ونحن ندرس الكتاب المقدس، كلمة إلهنا — السراج لأرجلنا والنور لسبيلنا

«سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ، وَنُورٌ لِسَبِيلِي» (مزمور 119: 105).

هذه الكلمة، التي هي سراج، تقول:

رسالة يهوذا 1: 5 (فان دايك):
«فَأُرِيدُ أَنْ أُذَكِّرَكُمْ وَلَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا مَرَّةً، أَنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا خَلَّصَ الشَّعْبَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، أَهْلَكَ أَيْضًا الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا».

تعلّمنا هذه الآيات أن الخلاص ليس نهاية الطريق، بل بدايته. نعم، لقد خرج كل جيش إسرائيل من أرض مصر، لكن ليس الجميع دخلوا أرض الموعد. اثنان فقط دخلاها: يشوع وكالب، إضافة إلى الأبناء الذين وُلدوا في البرية. أمّا الباقون فقد هلكوا في القفر، مع أن الله هو نفسه الذي أخرجهم من العبودية.

واليوم أيضًا، كثيرون قد خلصوا، وكثيرون يعترفون بالمسيح، لكن كثيرين يُهلكون لأنهم لا يسلكون مع الله في خلاصهم.

كان معظم بني إسرائيل ممتلئين كبرياءً (مثل داثان وقورح – انظر عدد 16)، وآخرون كانوا غارقين في التذمّر، وعبادة الأوثان، وتجربة الله باستمرار. وعلى الرغم من أنهم تحرروا من عبودية فرعون، إلا أنهم لم يروا أرض الموعد قط.

  • خلصوا… ثم هلكوا.
  • تحرروا… ثم هلكوا.
  • شُفوا… ثم هلكوا.

وما هو أشد إيلامًا، أنهم هلكوا:

  • وهم ما زالوا يأكلون المنّ (البركات السماوية)،
  • وهم ما زالوا تحت السحابة وعمود النار (المسحة والقيادة الإلهية)،
  • وبعد أن اعتمدوا لموسى في البحر الأحمر.

وهذه الأمور كُتبت لنا إنذارًا وعبرة، كما يقول الكتاب:

رسالة كورنثوس الأولى 10: 1–12 (فان دايك):
«1 فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمْ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ،
2 وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ،
3 وَجَمِيعُهُمْ أَكَلُوا طَعَامًا وَاحِدًا رُوحِيًّا،
4 وَجَمِيعُهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَبِعَتْهُمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ.
5 لكِنْ بِأَكْثَرِهِمْ لَمْ يُسَرَّ اللهُ، لأَنَّهُمْ طُرِحُوا فِي الْقَفْرِ.
6 فَهذِهِ الأُمُورُ حَدَثَتْ مِثَالًا لَنَا، حَتَّى لا نَشْتَهِيَ شَرُورًا كَمَا اشْتَهَوْا هُمْ.
7 وَلا تَكُونُوا عَابِدِي أَوْثَانٍ كَمَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ…
8 وَلا نَزْنِ كَمَا زَنَى أُنَاسٌ مِنْهُمْ فَسَقَطَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَلاَثَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا.
9 وَلا نُجَرِّبِ الْمَسِيحَ كَمَا جَرَّبَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ فَأَهْلَكَهُمُ الْحَيَّاتُ،
10 وَلا تَتَذَمَّرُوا كَمَا تَذَمَّرَ أَيْضًا أُنَاسٌ مِنْهُمْ فَأَهْلَكَهُمُ الْمُهْلِكُ.
11 فَهذِهِ الأُمُورُ جَمِيعُهَا أَصَابَتْهُمْ مِثَالًا، وَكُتِبَتْ لِإِنْذَارِنَا نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ.
12 إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ فَلْيَنْظُرْ أَنْ لا يَسْقُطَ».

فاسأل نفسك:

  • هل تفتخر بمعموديتك؟
  • هل تفتخر بطائفتك؟
  • هل تفتخر بمواهبك الروحية؟
  • هل تفتخر بمسحتك؟

كان لدى بني إسرائيل كل هذه الأمور، ومع ذلك هلك كثيرون منهم.

نقِّ مسيرتك المسيحية.
ابتعد عن الخطية.
لا تجرّب الله.
لا تعُد إلى عبادة الأوثان بعد الخلاص.
انفصل عن العالم.
واسلك مع الله مثل يشوع وكالب.

وليُعنّا الرب جميعًا على ذلك.

آمين.

شارِك هذه الرسالة مع الآخرين.


Print this post

محبة المال يمكن أن تُدمّر زواجك

 


محبة المال يمكن أن تُدمّر زواجك

مقدمة لاهوتية
في التقليد المسيحي، المال ليس بطبيعةٍ شرّ، بل هو مَلَك، أي شيء مخلوق يجب أن نخضعه لله. المال يمكن أن يكون موهبة إلهية أو مسؤولية، حسب كيفية استخدامه. ولكن ما يحذّر منه الكتاب بوضوح هو محبة المال، أي أن نجعل المال هدفًا أوليًا أو صورةً من عبادة (تغليبه على الله). كما أن الكتاب المقدّس يعلّم عن الاقتصاد المسيحي كمسؤولية (stewardship): “كل ما تملك كان للرب” — لذلك نحن وكلاء، وليسوا أصحابًا مطلقين. (Gospel Truth)


ربط قصة شمشون ودليلة بمبدأ لاهوتي

  • حين تخلّت دليلة عن ولائها لشمشون مقابل المال، تصبح محبّتها للمال شكلاً من الإدلال الروحي: المال لم يكن لها وسيلة فحسب، بل هدفاً يدفعها للغدر.

  • هذا التصرف يعكس صورة لتفضيل المخلوق على الخالق، وما يراه الكتاب المقدّس كنوع من الأوثان: ليس مال نفسه هو “إله” حرفي، لكنه يصبح “إلهًا في القلب” إذا اجتمع في المقام الأول في حياة الإنسان.


تأملات كتابية إضافية

  1. تحذير بولس عن محبة المال
    كما ورد في 1 تيموثاوس 6:10 (ترجمة AVD):

    «لِأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، … ضلّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ.» (YouVersion | The Bible App | Bible.com)

    • التفسير اللاهوتي لهذا النص يشير إلى أن مشكلة المال ليست بوجوده، بل بالمحبة الزائدة له كهدف شخصي. (St. Takla.org)

    • بولس في هذا الإصحاح لا يطلب من الأغنياء أن يتخلّوا عن مالهم، بل يدعوهم إلى “الاِعتماد على الله لا على الغنى غير الثابت” وتنمية “الأعمال الصالحة” والعطاء بسخاء. (YouVersion | The Bible App | Bible.com)

  2. خدمة الإله والمال — لا يمكن أن يكونا سيدين معًا
    يسوع قال: «لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ …» (متّى 6:24).

    • هذه الآية تعبر لاهوتيًا عن أننا إذا وَجَّهنا قلوبنا للمال كوليّ، فإننا نفقد ولاءنا لله.

    • في بعض التفسيرات، “المامون” (mammon) يُفهم كمجاز للثراء المادي الذي يصبح عبادة. (Wikipedia)

  3. ضرورة القناعة والتقوى

    • في 1 تيموثاوس 6:17–19، بولس يوصي الأغنياء بـ: “أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ … يُوَزِّعُوا بِسَخَاءٍ … لِيُحْفَظُوا رَأْسَ مَالٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ” (من ترجمة KEH). (YouVersion | The Bible App | Bible.com)

    • هذا توجيه لاهوتي: المال يجب أن يُستخدم كأداة للخدمة، للمحبة، للمشاركة، لا كهدف شخصي متفرد.

  4. طبيعة الطمع كمشكلة روحية

    • “الطمع” (greed) في الكتاب المقدّس يُعد رغبة أنانية قوية للحصول على المزيد من ممتلكات، وهو مرتبط بالخطيئة والهوى. (GotQuestions.org)

    • من المنظور اللاهوتي، الطمع يمكن أن يعتبر صورة من الوثنية القلبية، أي أن القلب يعبد ما يريده الإنسان (الممتلكات) بدلًا من الله.


تطبيق على الزواج (المنظور اللاهوتي)

  • عندما تضع الزوجة (أو الزوج) المال قبل العلاقة الزوجية، فإنها لا تفضّل مجرد مورد مادي، بل تجعل شيئًا مخلوقًا مركز حياتها، وهذا يتعارض مع دعوة الكتاب إلى “المحبة أولًا”: محبة الله، ثم محبة الآخر (زوج/زوجة).

  • من منظور العهد، الزواج هو عهد مقدّس (covenant) أمام الله. هذا العهد يتطلب الولاء والوفاء والاحترام المتبادل. إذا دخل الطمع (محبة المال) إلى القلب، فإنه يهدد هذا العهد.

  • لكن لا يجب أن نغفل أن المال نفسه يمكن أن يكون وسيلة بركة ضمن الزواج: من خلال الإدارة الحكيمة للمال (stewardship) يمكن للزوجين أن يكرّسا مواردهما لدعم بعضهما البعض، لخدمة العائلة، وربما للعمل المسيحي كالعطاء والرعاية.


دعوة لقلوب المؤمنات

  • ادعي الرب ليرشد قلبك: لا تدعي المال يسيطر على مشاعرك، بل اطلبي من الله أن يمنحك قلبًا مطيّعًا يقيس القيمة الحقيقية للزوج — ليس بقدر ما يملك، بل بقدر من هو من الداخل: تقوى، حكم، نزاهة.

  • مارسي السخاء: تعلّمي أن تمنحي بسخاء، أن تَنكِبّي على الأعمال الصالحة، وأن تشاركي ما لديك مع الآخرين ومع عائلتك.

  • ثقي بإله ملكوتك: تذكّري أن المسيحية تدعو إلى كنز سماوي أولًا، وليس فقط إلى الأمان المادي. يسوع يقول أن الكنز الحقيقي يُجمع في السماء.

  • ابني زواجًا روحانيًا: اجعلي علاقتك بزوجك مبنية على قيم روحية متينة أكثر من الأمور المادية.

 

Print this post

أَقِمِ الحَجَر — إعلان الصَّخْرِ الحَيّ يَسُوعَ المَسِيح

 


أَقِمِ الحَجَر — إعلان الصَّخْرِ الحَيّ يَسُوعَ المَسِيح

تباركَ اسمُ مصدر الحياة — يسوع المسيح، الصخرة الأبدية، أساس الخلاص، وبهاء مجد الآب وصورة جوهره.

يروي لنا سفر التكوين كيف أن يعقوب، في لحظة ضعف ووحدة وهروب، وضع حجراً تحت رأسه لينام، ثم استيقظ ليقيمه عمودًا (التكوين 28:10–22).
لكن هذا الفعل البسيط يحمل بعدًا لاهوتيًا عميقًا:
فالحجر في الكتاب المقدس كثيرًا ما يرمز إلى المسيّا المنتظر، الصخرة التي منها تتفجّر الحياة، والتي عليها يقوم شعب الله.

يسوع… الحَجَر الحَيّ وَرَفْضُهُ مِنَ العَالَم

يقول الرسول بطرس عن المسيح في 1 بطرس 2:4 (فاندايك):

«الَّذِي إِلَيْهِ آتُونَ، حَجَرًا حَيًّا، مَرْفُوضًا مِنَ النَّاسِ، لَكِنْ مُخْتَارًا مِنَ اللهِ كَرِيمًا.»

ويُكمل في العدد 6 مُقتبسًا من إشعياء:

«هَئَنَذَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرًا، حَجَرَ زَاوِيَةٍ مُخْتَارًا كَرِيمًا، وَالَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَنْ يُخْزَى.»

هذا الربط بين الحجرين — حجر يعقوب والحجر الحي — لم يأتِ من فراغ، بل من وحدة الإعلان الإلهي عبر العهدين:

حجر يعقوب = إعلان أولي عن حضور الله.

المسيح = إعلان الله الكامل في الجسد (يوحنا 1:14).


من وسادة إلى عمود — انتقال يعقوب من الخوف إلى الإدراك

حين هرب يعقوب من وجه أخيه عيسو، وصل إلى مكان بلا اسم ولا تمييز، وجعل حجراً وسادة لرأسه.
لكن حين ظهر له الله في حلم السلم الواصل بين السماء والأرض، تغيّر كل شيء:

التكوين 28:16–17 (فاندايك):

«فَاسْتَيْقَظَ يَعْقُوبُ مِنْ نَوْمِهِ وَقَالَ: حَقًّا إِنَّ الرَّبَّ فِي هذَا الْمَكَانِ وَأَنَا لَمْ أَعْلَمْ… مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلَّا بَيْتُ اللهِ وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ.»

ثم أقام الحجر عمودًا وأراق الزيت عليه — والزيت في الكتاب يرمز للروح القدس والمسحة الإلهية.

تفصيل لاهوتي مهم

الحجر + الزيت =
صورة للعهد الجديد حيث يُمسح المسيح “الرأس” بالروح القدس (أعمال 10:38).

يعقوب أقام الحجر علامة عهد،
أما الله فأقام المسيح رأسًا للكنيسة وعهدًا أبديًا للخلاص.


يسوع: عمودك أم وسادتك؟

قد يبقى يسوع في حياة الإنسان “وسادة” — أي فكرة مطمئنة أو عادة دينية — دون أن يكون له سلطان عملي.
لكن حين يُقام كـ“عمود”، يصبح:

  • مركز القرار

  • أساس الإيمان

  • معيار الطاعة

  • مصدر القوة والاستقامة

في مرقس 4، كان يسوع نائمًا في السفينة أثناء العاصفة:

مرقس 4:39 (فاندايك):

«فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: اسْكُتْ! ابْكَمْ! فَسَكَتَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ.»

البُعد اللاهوتي هنا

يسوع يفعل ما لا يقدر عليه إلا الله:

يسيطر على الطبيعة يهدّئ الفوضى ينزع الخوف

وهذا يكشف أنه هو ذاتُه الربُّ إلهُ القوات المذكور في المزامير (مزمور 89:8–9).


تحذير يسوع من الأساسات الزائفة

يحذّر المسيح من بناء الحياة على أي شيء غيره:

متى 7:24–27 (فاندايك):

«الرَّجُلُ الْعَاقِلُ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْر… وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَبَنَاهُ عَلَى الرَّمْلِ.»

الرمل في اللاهوت الكتابي يرمز إلى:

الاستماع دون طاعة

الإيمان العاطفي فقط

التدين الفارغ

الثقة بالذات أو بالظروف بدل الله

بينما الصخر = الشخص المُخلِّص، يسوع المسيح (1 كورنثوس 10:4: «الصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ»).

الْمَسِيحُ — حَجَرُ الزَّاوِيَةِ وَرَأسُ الزَّاوِيَةِ

في العهد القديم، كان حجر الزاوية أساس البناء، يُمسَك به الهيكل كلّه.
ويسوع يُعرّف نفسه بهذا اللقب:

مزمور 118:22 (فاندايك):

«اَلْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ.»

وقد طبّقها المسيح على نفسه في متى 21:42.

هذا يعني لاهوتيًا:

لا بنية روحية تستقيم دون المسيح

لا معرفة لله إلا من خلاله (يوحنا 14:6)

لا خلاص إلا به وحده (أعمال 4:12)

أَقِمِ الحَجَر – يَسُوعَ المَسِيح

اجعل يسوع حجر الزاوية في حياتك.
أقمْهُ عمودًا ثابتًا لإيمانك، وملجأً لك في التجارب، ونورًا يرشد خطواتك.

عبرانيين 13:8 (فاندايك):

«يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الْأَبَدِ.»

فإن ثبتَّ على هذه الصخرة، لن تهزّك الرياح، ولن تعصف بك العواصف الروحية، لأن الرب هو قوتك وعمودك ومخلّصك.

الله يباركك ويثبّتك على الصخرة الحيّة إلى الأبد.


 

Print this post

بشّر بالإنجيل في كل مكان — لأن الله هو الذي يعطي النمو

«إِذًا لَيْسَ مَنْ يَغْرِسُ شَيْئًا، وَلاَ مَنْ يَسْقِي، بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي.»

(1 كورنثوس 3:7)


1. الوصية بالكرازة عامة للجميع

الإرسالية العظمى ليست اختيارية. لقد أعطاها يسوع لكل مؤمن، وليس فقط للرعاة أو المبشرين:

«فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ. فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ…»
(متى 28: 18–19)

هذه الوصية تعكس طبيعة الله الإرسالية. فالله يريد أن يخلُص جميع الناس (1 تيموثاوس 2:4)، ولذلك يُدعى أتباعه إلى الخروج خارج جدران الكنيسة والتفاعل مع العالم. الكرازة مسؤولية وطاعة في آنٍ واحد.


2. لا يوجد مكان عادي أكثر من اللازم للإنجيل

يظن البعض أن الكرازة «تنجح» فقط في أماكن رسمية أو هادئة مثل الكنائس أو المؤتمرات، لكن الكتاب المقدس يعلّم غير ذلك. فقد كرز بولس حيثما وجد الناس—even في الأسواق:

«فَكَانَ يُحَاجِجُ فِي الْمَجْمَعِ مَعَ الْيَهُودِ وَالْمُتَعَبِّدِينَ، وَفِي السُّوقِ كُلَّ يَوْمٍ مَعَ الَّذِينَ صَادَفَهُمْ.»
(أعمال الرسل 17:17)

كما أن يسوع خدم وهو متنقّل:

«وَبَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَطُوفُ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى يَكْرِزُ وَيُبَشِّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ…»
(لوقا 8:1)

الإنجيل قابل للتكيّف مع كل سياق (1 كورنثوس 9:22). الله يستخدم اللحظات الهادئة والإعلانات العلنية على حدّ سواء. المهم هو الأمانة، لا المكان.


3. الكرازة في الشارع تزرع بذورًا — حتى وسط الرفض

كثيرون في الأماكن العامة غير مستعدين لسماع كلمة الله، لكن هذا لا يجعل الكرازة في الشارع بلا فائدة. أحيانًا مجرد سماع الكلمة يمكن أن يوبّخ أو يحرّك القلب أو يبدأ رحلة روحية:

«إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ.»
(رومية 10:17)

وحتى عندما يرفض الناس الرسالة، يدعونا الله للاستمرار في الكرازة:

«فَتُكَلِّمُهُمْ بِكَلاَمِي، سَمِعُوا أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا، لأَنَّهُمْ مُتَمَرِّدُونَ.»
(حزقيال 2:7)

هذا يعلن الدور النبوي للكنيسة. نحن مدعوون لا فقط لتعزية العالم، بل لمواجهته بالحق. فالإنجيل نعمة ودينونة معًا—يقدّم الخلاص، لكنه أيضًا يحمّل الناس مسؤولية (يوحنا 12:48).


4. الخلاص غالبًا عملية تدريجية

قليلون هم الذين يستجيبون للإنجيل من أول مرة يسمعونه. معظم الناس يمرّون برحلة من السماع، والصراع، والتساؤل، ثم الإيمان:

«اصْرُخْ بِصَوْتٍ عَالٍ، لاَ تُمْسِكْ. ارْفَعْ صَوْتَكَ كَالْبُوقِ…»
(إشعياء 58:1)

وحتى إن بدا الشخص غير مهتم، فقد تثمر الكلمة في الوقت المناسب:

«فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ، لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ.»
(غلاطية 6:9)

الكرازة هي زرع بذار روحية (مرقس 4:14–20). قد لا نرى النتائج فورًا، لكن الله يعمل في القلوب بطريقة غير منظورة. فالولادة الجديدة هي عمل الروح القدس، لا عملنا (يوحنا 3:5–8).


5. هناك فرح بخلاص نفس واحدة

قد تبدو الكرازة أحيانًا بلا مقابل، لكن السماء تفرح بسبب حياة واحدة تتغيّر:

«هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ أَمَامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ.»
(لوقا 15:10)

كل نفس لها قيمة أبدية. الإنجيل يعيد المكسورين إلى عائلة الله ويغيّر مصيرهم الأبدي. المهمة تستحق—في كل مرة.


6. الرسائل المتكررة تصبح شهادة

إن كنت قد سمعت الإنجيل مرارًا وما زلت تقاوم، فاعلم أن كل رسالة تصبح دليلًا على أن الله اقترب منك:

«وَيُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ، ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى.»
(متى 24:14)

«فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.»
(رومية 2:16)

الإنجيل دعوة وشهادة معًا. عند قبوله يمنح حياة، وعند رفضه يصبح جزءًا من دينونة الله العادلة (عبرانيين 10:26–27).


هل أنت مُخلَّص؟

هل تسمع الإنجيل منذ زمن، لكنك لم تُسلِّم حياتك للمسيح بعد؟ لا تؤجّل. الخلاص ليس في السماع فقط، بل في الاستجابة:

«الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ.»
(عبرانيين 3:15)


صلاة ختامية

ليساعدنا الرب أن نكرز بجرأة، ونحيا بأمانة، ونستجيب بتواضع. آمين.

Print this post

شروط نعمة الله

منذ البداية، سعى الإنسان إلى الخلاص بالاعتماد على جهوده الذاتية—من خلال الأعمال الصالحة، أو السلوك الأخلاقي، أو الطقوس الدينية—لكن كل ذلك لا يكفي. فلا أحد يستطيع أن يطيع شريعة الله طاعة كاملة (رومية 3:23):

«إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله».

وحتى عندما يتغلب الإنسان على خطية واحدة، تبقى خطايا أخرى تتهمه (رومية 7:18–20).

ولأن قداسة الله تتطلب طهارة كاملة، فلا يستطيع أي خاطئ أن يدخل السماء باستحقاقه الشخصي (عبرانيين 12:14):

«بدون القداسة لن يرى أحد الرب».

كما يؤكد الكتاب المقدس أن الإنسان بطبيعته لا يطلب الله (رومية 3:11–12):

«ليس من يفهم، ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس من يعمل صلاحًا، ليس ولا واحد».

وهذا يوضح عقيدة الفساد الكلي، أي أن الخطية قد أثرت في كل جانب من جوانب الطبيعة البشرية، مما يجعل الإنسان عاجزًا عن خلاص نفسه بنفسه (استنادًا إلى رومية 3 و7).


الخلاص بالنعمة بالإيمان

نعمة الله هي فضل غير مستحق، يُعطى مجانًا بالإيمان بيسوع المسيح. فقد جاء يسوع ليخلّص الخطاة (1 تيموثاوس 1:15):

«أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة».

وعندما نؤمن، نُحسب أبرارًا—أي نتبرر—ليس بأعمالنا، بل بنعمة الله (أفسس 2:8–9):

«لأنكم بالنعمة مخلَّصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم. هو عطية الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد».

وهذا يعني أنه عند الإيمان بيسوع، نُعدّ قديسين في نظر الله (1 كورنثوس 1:30):

«المسيح يسوع… الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء».

مع أننا لسنا كاملين بعد، إلا أن الله يحسبنا أبرارًا (التبرير). وهذا هو جوهر البر المحسوب.

فالتبرير بالإيمان وحده (Sola Fide) يعلن المؤمنين أبرارًا رغم عدم كمالهم المستمر، وهو يختلف عن التقديس الذي هو عملية التحول التدريجي إلى قداسة فعلية.


خطر إساءة فهم النعمة

النعمة ليست رخصة للخطية (رومية 6:1–2):

«فماذا نقول؟ أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة؟ حاشا!».

إساءة فهم النعمة قد تقود إلى التسيب الأخلاقي (التحلل من الشريعة).

فإذا ظن الناس أن النعمة تعني الحرية في الاستمرار في حياة الخطية دون توبة أو تغيير، فإنهم يسيئون استخدامها (يهوذا 1:4):

«يحوّلون نعمة إلهنا إلى دعارة».


المسؤوليات بعد نوال النعمة

نوال النعمة يعني التحول إلى خليقة جديدة (2 كورنثوس 5:17):

«إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا».

الإيمان الحقيقي يُنتج ثمرًا (يعقوب 2:17):

«الإيمان أيضًا إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته».

ويجب على المؤمنين ألا يستهينوا بالنعمة (2 كورنثوس 6:1):

«نطلب إليكم ألا تقبلوا نعمة الله باطلًا».

فالذين يرفضون التغيير أو لا يثمرون قد يعرّضون أنفسهم للسقوط (عبرانيين 6:4–6). وكما استهان عيسو ببكوريته، قد يفقد البعض بركات النعمة (عبرانيين 12:15–17).


النعمة والتقديس

التقديس هو العملية المستمرة التي نصير فيها أكثر شبهًا بالمسيح، بقوة الروح القدس (فيلبي 2:12–13):

«تمموا خلاصكم بخوف ورعدة، لأن الله هو العامل فيكم».

النعمة تمكّن، وتحفّز، وتقوّي القداسة. فهي لا تبرر الخطية، بل تدعو المؤمنين إلى حياة التقوى (تيطس 2:11–12):

«تعلّمنا النعمة أن ننكر الفجور والشهوات العالمية، وأن نعيش بالتعقل والبر والتقوى».

إن نعمة الله عطية ثمينة ومجانية، لكنها يجب أن تُقبل بفهم ومسؤولية. فالنعمة تغطي خطايانا وتعلننا قديسين، لكنها في الوقت نفسه تدعونا أن نعيش حياة مقدسة.

ومثل الحصول على سيارة مجانية، فإن النعمة تتطلب منا أن “نزوّدها بالوقود” من خلال التعاون مع روح الله. تقدير النعمة يقود إلى الحماية، والتغيير، وضمان الحياة الأبدية (يوحنا 10:28):

«وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد».

شالوم.

Print this post

اتباع مبدأ الله الحقيقي للخلاص

هناك مبادئ روحية يستطيع أي إنسان أن يتبعها، وهي تنتج نتائج حقيقية وملموسة. ولكن هذه النتائج لا تؤدي بالضرورة إلى الخلاص أو الحياة الأبدية. إن فهم هذا الفرق أمر بالغ الأهمية.

الشرعية مقابل النتائج
لنأخذ الحمل مثالًا: يمكن للمرأة أن تحمل في ظروف مختلفة—سواء كان ذلك نتيجة علاقة قسرية، أو خارج إطار الزواج، أو داخل الزواج. وفي كل الحالات يولد طفل. لكن أيهم يُعدّ شرعيًا أمام الله والمجتمع؟ من الواضح أن الطفل الذي يُحبل به داخل زواج شرعي فقط هو الذي يُعتبر شرعيًا.

وهذا التمييز يعكس حقائق روحية: فإنتاج نتائج روحية ظاهرة ليس هو نفسه امتلاك الخلاص الشرعي أمام الله.

مثال كتابي: أبناء إبراهيم
كان لإبراهيم أبناء كثيرون—إسماعيل البكر من هاجر، وستة أبناء آخرين من قطورة، وإسحاق من سارة (تكوين 16، 21، 25). وجميعهم كانوا بشرًا باركهم الله (تكوين 17:20، 21:13). ولكن عندما تعلق الأمر بالميراث—وعد الله—كان إسحاق وحده هو الوارث الشرعي (تكوين 25:5–6).

«وأعطى إبراهيم كل ما كان له لإسحاق. وأما بنو السراري الذين لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا، وصرفهم عن إسحاق ابنه وهو حي، إلى أرض المشرق.»

وهذا يوضح الفرق بين البركات الطبيعية والوعد الإلهي—بين النتائج والشرعية.

مبادئ روحية متاحة للجميع
توجد قوانين روحية كثيرة تنطبق على الجميع. فمثلًا، الإيمان يُفعِّل قوة الله:

المعجزات باسم يسوع: حتى الذين هم خارج الإيمان الحقيقي يمكنهم أن يختبروا معجزات عند استخدام اسم يسوع. ذلك لأن المعجزات تستجيب للإيمان كمبدأ، لا لبرّ الإنسان.

«كل شيء مستطاع للمؤمن.»
—مرقس 9:23

وخلال خدمة يسوع، نال بعض الأمم معجزات أعظم من بني إسرائيل بسبب إيمانهم الأكبر (يوحنا 4:48).

استجابة الصلاة: أي إنسان يصلي يمكن أن ينال استجابة. فهذا مبدأ روحي من نعمة الله العامة واستجابته لفعل الإنسان.

«لأن كل من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له.»
—متى 7:8

حتى الشيطان يعمل ضمن هذا المبدأ، كما نرى في أيوب 1:6–12، حيث طلب الشيطان الإذن لتجربة أيوب فناله من الله.

خطر الضمان الكاذب
لكن نيل المعجزات أو استجابة الصلاة لا يضمن الخلاص. فقد حذّر يسوع من أناس كثيرين سيعملون أعمالًا باسمه ومع ذلك يُرفضون:

«كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم!»
—متى 7:22–23

فالإيمان دون حياة متغيّرة يشبه إيمان الشياطين—يعترفون بالله لكنهم لا يطيعونه.

«أنت تؤمن أن الله واحد. حسنًا تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرون.»
—يعقوب 2:19

الإيمان يجب أن يقترن بالأعمال
الإيمان الكتابي الحقيقي هو إيمان حي يظهر في الأفعال. ويؤكد يعقوب ذلك بقوله:

«ترون إذًا أن الإنسان يتبرر بالأعمال لا بالإيمان وحده.»
—يعقوب 2:24

كما يشدد بولس على ضرورة الانضباط وضبط النفس لئلا يُرفَض:

«بل أقمع جسدي وأستعبده، حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا.»
—1 كورنثوس 9:27

معيار الله النهائي: الخلاص المثبت بالبر
المعيار الحقيقي عند الله لمعرفة من هو ابنه هو الخلاص المكتمل والمُثبت بحياة البر.

وتُظهر كلمات يسوع في متى 7:23 المقياس النهائي:

«اذهبوا عني يا فاعلي الإثم.»
—متى 7:23

لذلك فإن الإيمان المجرد من الطاعة والسلوك المقدس غير كافٍ. فالخلاص الحقيقي يُغيّر السلوك والصفات.

الدينونة الأخيرة والمكافآت
في يوم الدينونة الأخيرة، ما سيرافق المؤمن هو أعماله:

«طوبى للأموات الذين يموتون في الرب من الآن. نعم، يقول الروح، لكي يستريحوا من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم.»
—رؤيا 14:13

تطبيق وتشجيع
في هذه الأيام الأخيرة، ينجذب كثيرون إلى التركيز على المعجزات والشفاءات والنبوات، متجاهلين الدعوة إلى الحياة المقدسة. لكن في يوم الدينونة، ستتبعك أعمالك.

افحص حياتك بصدق، وتأكد أنها تعكس إقرارك بالإيمان. اسعَ إلى حياة ترضي الله، مميّزة بالطاعة والبر، لكي تُعرَف كوارث حقيقي للحياة الأبدية.

ليباركك الله وأنت تسعى أن تعيش حقه بالروح والحق.

Print this post