كان داود شابًا حين أدرك كم يمضي الوقت سريعًا. تنبّه إلى قِصر الحياة، وإلى أن الأيام تنفلت من بين أيدينا، وفهم أنه لا يملك ترف التأجيل في تصحيح علاقته مع الله.
ومع أن داود كان معروفًا بالفعل بأنه «رَجُلٌ حَسَبَ قَلْبِ الله» (١ صموئيل ١٣:١٤)، إلا أنه لم يكتفِ بالرضا الإلهي وحده، بل اشتهى شركة أعمق ونقاوة أعظم أمام الله. لذلك كتب:
مزمور ٦٣:١ (فان دايك):«يَا اللهُ، إِلَهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي، يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي فِي أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلَا مَاءٍ».
أدرك داود حقيقة يغفل عنها كثيرون: إن مرحلة الشباب زمن قويّ وحاسم في تشكيل القلب، حيث يكون أكثر ليونة وقابلية للتشكيل. وإذا أُهدِر الشباب في شهوات العالم، فقد يدخل الإنسان سنواته اللاحقة مثقَلًا بالندم والفراغ الروحي.
ولهذا تأمّل داود – ومعه شعب الله – الحكمة العميقة القائلة:
الجامعة ١٢:١ (فان دايك):«اُذْكُرْ خَالِقَكَ فِي أَيَّامِ شَبَابِكَ، قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ أَيَّامُ الشَّرِّ أَوْ تَجِيءَ سِنُونٌ تَقُولُ فِيهَا: لَيْسَ لِي فِيهَا سُرُورٌ».
يحذّر سليمان، كاتب سفر الجامعة، من زمن قد يأتي فيه فتور الطاقة والرغبة في طلب الله. وهذه «الأيام الصعبة» لا تتعلّق بالشيخوخة الجسدية فقط، بل أيضًا بتبلّد الروح. فالخطية تقسّي القلب، والتسويف يقتل الإحساس بالتبكيت.
يردّد العهد الجديد هذا النداء الملحّ:
٢ كورنثوس ٦:٢ (فان دايك):«هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ، هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلَاصٍ».
نعمة الله ليست وعدًا مفتوحًا بلا نهاية. يشبّه يسوع نعمته بنور النهار، يسطع لوقت ثم يأتي الليل:
يوحنا ١١:٩–١٠ (فان دايك):«أَلَيْسَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً فِي النَّهَارِ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَمْشِي فِي النَّهَارِ لَا يَعْثُرُ، لأَنَّهُ يَنْظُرُ نُورَ هَذَا الْعَالَمِ. وَلَكِنْ إِنْ مَشَى أَحَدٌ فِي اللَّيْلِ يَعْثُرُ، لأَنَّ النُّورَ لَيْسَ فِيهِ».
و«نُورُ الْعَالَمِ» هو المسيح نفسه (يوحنا ٨:١٢). نعمته تنير طريق الحياة، لكن حين تُهمَل، يعمّ الظلام الروحي، الذي يقود إلى الارتباك والكبرياء والاستهزاء بالإنجيل، وأخيرًا إلى الدينونة.
رومية ١:٢١ (فان دايك):«لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلَهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ».
كتابيًا، النعمة ليست حالة جامدة. بكى يسوع على أورشليم لأنها لم تعرف «زمان افتقادها» (لوقا ١٩:٤١–٤٤). وأعلن بولس أن الإنجيل انتقل إلى الأمم بسبب رفض اليهود له (رومية ١١:١١)، مع أن الكتاب يشير أيضًا إلى عودة النعمة لإسرائيل في الأيام الأخيرة (رومية ١١:٢٥–٢٧).
إذا أهملنا الإنجيل اليوم، قد نجد أنفسنا غدًا خارج الدائرة. فالنعمة المعروضة الآن قد تُرفَع لاحقًا (عبرانيين ١٠:٢٦–٢٧).
نحن نعيش في زمن كنيسة لاودكية، المرحلة السابعة والأخيرة من مراحل الكنيسة المذكورة في رؤيا ٢–٣:
رؤيا ٣:١٥–١٦ (فان دايك):«أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلَا حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا. هَكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ… أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي».
إنه زمن الفتور الروحي، المطبوع بالاكتفاء الذاتي والمادية واللامبالاة بالتوبة. ومع ذلك، ما زال المسيح يقرع باب القلوب (رؤيا ٣:٢٠)، داعيًا الأفراد إلى الرجوع قبل مجيء الدينونة.
عمّ تنتظر؟ ومن تنتظر؟ يسوع يدعوك الآن، لا غدًا.
سلّم حياتك له ما دامت فيك أنفاس، وما دام التبكيت حاضرًا، والفرصة متاحة.
إشعياء ٥٥:٦–٧ (فان دايك):«اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ. لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ… فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلَهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ».
تُبْ عن خطاياك بصدق. يسوع مستعد أن يقبلك، لا لأنك كامل، بل لأنه دفع ثمن خطيتك بموته وقيامته.
رومية ١٠:٩ (فان دايك):«لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ».
إن كنت اليوم تشعر بجذب نعمة الله، فلا تُقاوِمها. صلِّ هذه الصلاة بإيمان وقلب صادق:
أيها الآب السماوي،أتقدّم إليك مقرًّا أنني خاطئ، وقد قصّرت عن مجدك وأستحق الدينونة. لكنني أؤمن أنك إله رحيم، كثير الشفقة والمحبة. اليوم أترك خطاياي وأطلب غفرانك.
أعترف بفمي أن يسوع المسيح هو الرب، وأؤمن في قلبي أنك أقمته من الأموات. طهّرني بدمه الكريم، واجعلني خليقة جديدة من هذه اللحظة.
شكرًا لك يا يسوع لأنك قبلتني، وغفرت لي، ومنحتني الحياة الأبدية.
ليباركك الله.
Print this post
احفظ اسمي، بريدي الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح لاستخدامها المرة المقبلة في تعليقي.
Δ