كنت كطائرٍ وحيد في البرية

كنت كطائرٍ وحيد في البرية

سؤال: ماذا يعني مزمور 102:6 عندما يقول المزمور:

«مزمور 102:6 (ترجمة فاندايك)
صرتُ كالبومة في البرية، مثل البومة بين الأطلال.»

يستخدم المزمور هذا التشبيه الطبيعي العميق ليعبّر عن الوحدة الشديدة، والمعاناة، والاعتماد التام على الله. فالـ«بومة في البرية» طائر وحيد يعيش في أماكن مهجورة وجافة، يختبئ لفترات طويلة ونادرًا ما يُرى في جماعات. هذا الطائر يرمز إلى العزلة، تمامًا كما كان الشاعر يعاني من الوحدة الروحية والعاطفية أثناء تعرضه للأذى من أعدائه.

كما يشبه نفسه ببومة الحفر التي تفضل الأماكن المهجورة مثل الأطلال، والمباني المهجورة، أو المقابر. هذه البوم ليلية وتصدر أصواتًا حزينة في الظلام—وهو تشبيه مناسب لنداءات المزمور إلى الله في أوقات الضيق.

تأمل شخصي:
مرةً أثناء صلاتي على جبل بعيد في مكان ناءٍ عن البشر، سمعت بومة وحيدة تنادي في الليل. كان صراخها الوحيد يعكس تمامًا شعور المزمور بالهجران والوحدة، مؤكدًا لنا أن الله يرى حتى تلك اللحظات التي نشعر فيها بأننا وحيدون تمامًا.

في مزمور 102:7، يقارن المزمور نفسه أيضاً بالعصفور الوحيد على السطح. والعصافير عادةً ما تسير في أسراب، والعصفور الوحيد يدل على الضعف أو الانكشاف. من خلال هذه الصورة، يوضح المزمور عمق عزلته وعجزه.

رؤية لاهوتية:
مزمور 102 هو مزمور توبة ورثاء، يعكس ضعف الإنسان، معاناته، وزوال حياته. يذكرنا المزمور أن الوحدة والضيق ليست دليلاً على غياب الله، بل هي تعبير عن اعتماد الإنسان عليه. وتكرار صورة الطيور الوحيدة يؤكد هشاشة الإنسان، لكنه في الوقت ذاته يعكس الصراحة مع الله—أن نأتي إليه بكل ألمنا. الرثاء في الكتاب المقدس غالبًا ما يكون طريقًا للحميمية مع الله (راجع مزمور 34:17 «الصديقون ينادون فيُستجاب لهم ومن كل ضيق يخلصهم الرب»).

مزمور 102:1-8 (ترجمة فاندايك)
١ استجب لي يا رب، واسمع صراخي.
٢ لا تخفِ وجهك عني في يوم ضيقي. أدر أذنك إليَّ، استجب لي عاجلاً حين أدعو.
٣ فإنَّ أيامي قد ذهبت كالدخان، وعظامي قد احترقت كموقد.


٤ قلبي قد ذبل كالعشب، ونَسيتُ أن آكل خبزي.
٥ من صوت تأوهي قد تشبَّثت عظامي بلحمي.
٦ صرتُ كالبومة في البرية، مثل البومة بين الأطلال.
٧ سهرانًا كالعصفور الوحيد على السطح.
٨ كل النهار يلعنني أعدائي، ومن يكرهونني بلا سبب يسبون اسمي.

رغم هذه المعاناة العميقة، يضع المزمور رجاءه في الله. ومن الناحية اللاهوتية، يشير هذا المزمور إلى وفاء الله الدائم حتى في أوقات ضعف الإنسان الشديد. ويؤكد أن الرثاء ليس يأسًا، بل هو ثقة تُعبّر عن نفسها بصراحة أمام الله.

مزمور 102:16-21 (ترجمة فاندايك)
١٦ «لما يُعيد الرب عزَّ صهيون، يَظهر في مجده.
١٧ ينظر إلى صلاة المساكين، ولا يحتقر صلاتهم.
١٨ لتُكتب هذه للأجيال القادمة، ولشعب يُخلَق بعد ذلك يُسبِّح الرب.
١٩ من مكان قدسه ينظر الرب من السماء إلى الأرض،
٢٠ ليستمع إلى أنين الأسيرين، ويُخلِّص المحكوم عليهم بالموت،
٢١ لكي يُعلَن اسم الرب في صهيون، وتسبيحه في أورشليم.»

تأمل لاهوتي:
رد الله على المزمور يثبت أنه السيد على معاناة الإنسان. حتى في لحظات العزلة والوحدة واليأس، يسمع الله كل صلاة ويرى كل محنة. يصبح رثاء المزمور نموذجًا لكل المؤمنين، يُظهر كيف يمكننا أن نأتي بأعمق أحزاننا إلى الله الرحيم والمنصت (راجع مزمور 34:18 «قريب هو من المنكسرين القلب ويخلّص المنسحقين بالروح»).

تطبيق عملي:
إذا شعرت بالهجران، أو العزلة، أو الغمر بالمشاكل—مثل البومة أو العصفور الوحيد—تذكّر أن الله يعرف معاناتك. لا يتجاهل صرخاتك. ثق به ليشفيك، يواسيك، أو يمدك بما تحتاج حتى لو بدا الأمر مستحيلًا.

مراثي 3:31-33 (ترجمة فاندايك) يؤكد:
٣١ لأن الرب لا يرفض إلى الأبد،
٣٢ وإن كان يسبب الحزن، فإنه يرحم حسب كثرة محبته الثابتة،
٣٣ لأنه لا يُسرّ بإيذاء الإنسان ولا يحزن الناس عن عمد.

حتى في المعاناة، تأديب الله أو تجربته ليست قاسية أو عشوائية، بل مبنية على المحبة ومن أجل خيرنا النهائي (راجع رومية 8:28).

ختامًا، يعلمنا مزمور 102 أن الوحدة، والمعاناة، وضعف الإنسان هي فرص للجوء إلى الله في صلاة صادقة. فهو يرى ويسمع ويتصرف نيابةً عن الذين يصرخون إليه. ثق بالرب فهو ملجأنا وقوتنا حتى عندما تبدو الحياة كصحراء قاحلة.

باركك الرب وقرّبك إليه في أوقات امتحانك.


 

Print this post

About the author

Rehema Jonathan editor

Leave a Reply