لا تشترك في خطايا الآخرين

لا تشترك في خطايا الآخرين

١ تيموثاوس ٥:٢٢ (ترجمة فان دايك)
«لا تضع يدك على أحدٍ بالعجلة، ولا تشترك في خطايا الآخرين. احفظ نفسك طاهرًا.»

في هذه الآية يقدّم الرسول بولس لتيموثاوس، القائد الشاب في الكنيسة، مجموعة إرشادات بالغة الأهمية حول كيفية قيادة شعب الله بحكمة وبرّ. ولم يكن اهتمام بولس مقتصرًا على خدمة تيموثاوس فقط، بل شمل أيضًا قداسته الشخصية وتمييزه الروحي.


أولًا: سياق ١ تيموثاوس ٥

في الإصحاح الخامس من الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، يضع بولس تعليمات عملية لتنظيم شؤون الكنيسة، لا سيما ما يتعلّق برعاية الأرامل (الآيات ٣–١٦)، وتقدير الشيوخ ودعمهم (الآيات ١٧–٢٥)، وكيفية التعامل مع الاتهامات الموجّهة إليهم. ويؤكد بولس أن القيادة الكنسية يجب أن تتّسم بالنزاهة، والنضج الروحي، والشهادة الصالحة.

ويحذّر بولس من التسرّع في القرارات، وبالأخص في «وضع الأيدي»، وهي إشارة إلى سيامة شخص أو تزكيته علنًا للخدمة والقيادة الروحية. فالسيامة عمل مقدّس، وليست مجرد إجراء شكلي، بل هي إعلان علني عن نضج الشخص الروحي ودعوته من الله. وكان بولس مدركًا لخطر وضع أشخاص غير ناضجين أو غير مؤهَّلين في مواقع القيادة الروحية.

تقدّم رسالتا تيطس ١:٦–٩ و ١ تيموثاوس ٣:١–٧ معايير واضحة لقادة الكنيسة، مثل أن يكون الشخص بلا لوم، معتدلًا، صاحيًا، عاقلًا، محتشمًا، مضيفًا للغرباء، صالحًا للتعليم، غير معنف ولا محب للمال.

ملاحظة لاهوتية: إن وضع اليد على شخص يتبيّن لاحقًا سقوطه في الخطية قد يجعل من زكّاه شريكًا بطريقة غير مباشرة، ولهذا جاء التحذير من الاشتراك في خطايا الآخرين.


ثانيًا: الاشتراك في خطايا الآخرين

يحمل قول بولس: «ولا تشترك في خطايا الآخرين» معنى روحيًا عميقًا. فالاشتراك في الخطية لا يحدث فقط بالممارسة المباشرة، بل قد يكون أيضًا بالصمت، أو التواطؤ، أو التقليد، أو التبرير، أو الإهمال في توبيخ الخطأ.

أ) تقليد السلوك الخاطئ

المؤمنون مدعوون إلى حياة مفرَزة، حتى في تعاملهم مع مؤمنين آخرين قد يسلكون بحسب الجسد.

رومية ١٢:٢ (فان دايك)
«ولا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم…»

 

أفسس ٥:١١ (فان دايك)
«ولا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة، بل بالحري وبّخوها.»

عندما ترى أخًا أو أختًا يمارس خطية—سواء كانت عدم احتشام، نميمة، كذبًا، أو أي سلوك غير تقي—وتقوم بتقليده، فأنت لم تعد مجرد شاهد، بل أصبحت شريكًا.

ب) التساهل مع خطية القادة

يحذّر بولس تيموثاوس من أن حتى القادة الروحيين قد يسقطون في الخطية. وعندما يحدث ذلك، لا يجوز للكنيسة أن تصمت، مع ضرورة التعامل بحكمة وعدل، والتثبّت من الاتهامات بشهادة شاهدين أو ثلاثة.

١ تيموثاوس ٥:١٩–٢٠ (فان دايك)
«لا تقبل شكاية على شيخ إلا على شاهدين أو ثلاثة. أمّا الذين يخطئون فوبّخهم أمام الجميع لكي يكون عند الباقين خوف.»

إن تجاهل الخطية غير التائبة لدى قائد كنسي—سواء كانت فسادًا ماليًا، أو نجاسة أخلاقية، أو تسلّطًا روحيًا—هو نوع من التزكية الضمنية، وبهذا تشترك الجماعة في تلك الخطية.

ج) الصمت حين يجب التصحيح

يعقوب ٥:١٩–٢٠ (فان دايك)
«أيها الإخوة، إن ضلّ أحد بينكم عن الحق فردّه أحد، فليعلم أن من ردّ خاطئًا عن ضلال طريقه يخلّص نفسًا من الموت ويستر كثرة من الخطايا.»

إن توبيخ الأخ أو الأخت الساقطين في الخطية ليس دينونة، بل هو محبة كتابية. فالامتناع عن قول الحق بمحبة (أفسس ٤:١٥) يسمح للخطية أن تنتشر وتؤذي الآخرين، بل وتؤذيك أنت أيضًا.


ثالثًا: عواقب الاشتراك في الخطية

الاشتراك في خطية الآخرين يجعل الإنسان مسؤولًا عن نتائجها. فالله يحاسب الإنسان لا فقط على ما يفعله، بل أيضًا على ما يبرّره أو يسمح به.

أمثال ١٧:١٥ (فان دايك)
«مَن يبرّر المذنب، ومن يدين البار، كلاهما مكروهتان عند الرب.»

عندما نعتذر عن الخطية، أو نسهّلها، أو نكررها، نعرّض أنفسنا لنفس الدينونة والتأديب الإلهي.

غلاطية ٦:٧–٨ (فان دايك)
«لا تضلّوا. الله لا يُشمخ عليه، فإن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا.»

سواء كانت الخطية مستمرة أو عارضة، إن كانت بإرادة واعية ودون توبة، فإن عواقبها خطيرة. فالمخطئ الدائم، وكذلك من يقلّده أحيانًا، قد يقفان تحت نفس الحكم الإلهي.


رابعًا: الدعوة إلى الطهارة الشخصية

يختم بولس وصيته لتيموثاوس بقوله: «احفظ نفسك طاهرًا». وهذه الطهارة ليست أخلاقية فقط، بل روحية أيضًا—دعوة إلى حياة مكرَّسة ومقدّسة في السلوك والخدمة.

٢ تيموثاوس ٢:٢١ (فان دايك)
«فإن طهّر أحد نفسه من هذه، يكون إناءً للكرامة، مقدسًا، نافعًا للسيد، مستعدًا لكل عمل صالح.»

كل مؤمن—وبالأخص القادة—مدعو أن يحيا حياة غير ملوّثة بالتنازلات أو بخطايا الآخرين.

إن وصايا بولس لتيموثاوس ما تزال أساسية للكنيسة اليوم. نحن مدعوون إلى السهر، والتمييز، والقداسة. سواء كنت قائدًا أو عضوًا، لا تتسرّع في تزكية الآخرين، ولا تشترك في خطاياهم، واحرس نفسك دائمًا.

فلنأخذ هذا التحذير بجدية، ولنلتزم أن نحيا بما يرضي الرب، أحرارًا من ذنب الاشتراك، وسالكين في نور المسيح.

ماران أثا – تعال أيها الرب يسوع!

Print this post

About the author

Rehema Jonathan editor

Leave a Reply