نعمة وسلام لكم باسم ربنا ومخلصنا يسوع المسيح المجيد. أرحب بكم مرة أخرى لتتأملوا كلمات الحياة الأبدية، إذ يقترب اليوم العظيم للرب.
عندما جاء ربنا يسوع المسيح إلى الأرض، كانت رسالته الأولى موجهة خصيصًا إلى الغنم الضالة من بني إسرائيل. كان المخطط الإلهي للخلاص يبدأ باليهود ثم يمتد إلى الأمم. وقد تنبأ بهذا الترتيب في النبوات:
إشعياء ٤٩:٦«قال أيضًا: قليل على عبدك أن يقيم أسباط يعقوب ويُرد المحفوظين من إسرائيل، وأجعلك نورًا للأمم، لتكون خلاصي إلى أقاصي الأرض.»
لذلك جاء المسيح أولاً ليكمل وعد الله لعبراني إسرائيل، وبعد ذلك تنسكب نعمته على أمم العالم. ولهذا السبب، عندما طلب الأمم عونه، بدا أحيانًا كأنه يرفضهم، ليس لأنه يحتقرهم، بل لأن ترتيب خطة الله يقتضي أن يُعلن الخلاص أولاً لإسرائيل (راجع متى ١٥: ٢٢-٢٨).
وكذلك عندما أرسل تلاميذه ليبشروا، أوصى أن يركزوا فقط على اليهود:
متى ١٠:٥-٦«هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً: لا تذهبوا في طريق الأمم، ولا تدخلوا إلى مدينة السامريين، بل اذهبوا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.»
رغم أن رسالة يسوع كانت موجهة أولاً إلى إسرائيل، يقول لنا الكتاب: «كان لا بد أن يمرّ عبر السامرة» (يوحنا ٤: ٤). هذا التعبير لا يدل فقط على ضرورة جغرافية، بل على موعد إلهي مقدر.
يوحنا ٤: ٣-٧«ترك اليهودية وعاد إلى الجليل. وكان لا بد له أن يمرّ عبر السامرة. فجاء إلى مدينة في السامرة تُدعى سخار، قرب الأرض التي أعطاها يعقوب ليوسف ابنه. وكان هناك بئر يعقوب. فجلس يسوع على البئر لأنه تعب من الطريق. وكانت الساعة السادسة. فأتت امرأة من السامرة لتسحب ماء. فقال لها يسوع: أعطني لأشرب.»
جغرافياً، كثير من اليهود كانوا يتجنبون السامرة بسبب عداوة دامت قرونًا بين اليهود والشمّريين (راجع ٢ ملوك ١٧: ٢٤-٤١). ومع ذلك، اختار يسوع أن يمرّ بها. تعبير «كان لا بد» (باليونانية: ἔδει) يدل على إكراه إلهي، حيث قاده إرادة الآب وليس الراحة البشرية.
رغم تعب الرحلة، لم يسمح الرب للتعب أو الحواجز الثقافية أن تُخمد شفقته. عند ذلك البئر، دار حوار عميق بين المخلص الذي جاء «ليطلب ويخلّص ما قد هلك» (لوقا ١٩: ١٠) والمرأة السامرية.
صُدمت المرأة السامرية من كلام رجل يهودي يطلب منها ماء:
يوحنا ٤: ٩-١٠«قالت المرأة السامرية له: كيف أنت، يهودي، تسألني أنا امرأة سامرية أن تعطيني شربة؟ (لأن اليهود لا يعاشرون السامريين.) أجابها يسوع: لو كنت تعرفين عطية الله ومن هو الذي يقول لك أعطني شربة، لكنت طلبت منه وأعطاك ماء حيّاً.»
هنا كشف يسوع عن نفسه كمصدر الماء الحي — الروح القدس — الذي يروي ظمأ النفس البشرية (يوحنا ٧: ٣٧-٣٩). في هذا اللقاء، اخترقت النعمة حواجز قرون من العداء، مبشرة بأن الإنجيل سيصل إلى ما بعد حدود إسرائيل.
اللقاء عند البئر لم يكن صدفة، بل كان تلميحًا لمهمة الكنيسة العالمية. ما بدأ حديثًا مع امرأة واحدة، أصبح نهضة في مدينة بأكملها:
يوحنا ٤: ٣٩-٤٢«آمن كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي شهدت: “قال لي كل ما فعلته.” فقالوا للمرأة: نحن نؤمن الآن ليس بسبب قولك، بل لأننا سمعناه نحن بأنفسنا ونعلم أنه حقًا المسيح مخلص العالم.»
هذا الإعلان — «مخلص العالم» — يحمل معنى عميقًا لاهوتيًا، مفاده أن الخلاص ليس محصورًا في أمة أو عرق معين، بل هو لكل البشر. وقد أكد بولس هذه الحقيقة لاحقًا:
رومية ١٠: ١٢-١٣«فلا يفرق يهودي عن يوناني، لأن ربًا واحدًا هو رب الجميع، غني للجميع الذين يدعونَه. لأن “كل من يدعو باسم الرب يخلص.”»
للوصول إلى جليلك — مصيرك الإلهي — قد تضطر إلى المرور عبر السامرة. كثيرًا ما يسمح الله لنا بأن نجتاز مواسم وسطية، أماكن تبدو غير مخططة أو غير مريحة أو بعيدة عن دعواتنا، لكنها في الحقيقة فرص إلهية للخدمة.
ربما تتوق لأن تبشر في مدن كبرى أو أمم بعيدة، لكنك اليوم تجد نفسك في فصل دراسي، أو مكتب، أو قرية نائية. لا تحتقر مكانك، كما خدم يسوع في السامرة، أنت مدعو لتخدم حيث وضعك الله.
ذكر بولس تيموثاوس قائلاً:
٢ تيموثاوس ٤: ٢«وَاعْظِ بِالكَلِمَةِ، كُنْ مُسْتَعِدًّا فِي الْوَقْتِ وَخَارِجَ الْوَقْتِ، وَاعْتَرِضْ، وَوَعِظْ، وَشَدِّدْ، بِكُلِّ صَبْرٍ وَتَعْلِيمٍ.»
قد سمح الله لك بأن تكون حيث أنت، ليس فقط لنموك الشخصي، بل كممثل له للناس من حولك. قال يسوع:
متى ١١: ٢٩«خُذُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ.»
مثال المسيح يعلمنا أن نثمر في كل الظروف. لم ينتظر حتى يصل جليله ليكمل مشيئة أبيه، بل خدم حتى في الأماكن التي بدت «خارج طريقه». هكذا على كل مؤمن أن يثمر حيثما غُرِس.
اللقاء عند بئر يعقوب يذكرنا بأن الفرص الإلهية غالبًا ما تظهر في أماكن غير متوقعة. السامرات في حياتنا — تلك المواسم الوسيطة واللحظات غير الملائمة — هي المنصات التي يستخدمها الله ليظهر مجده.
فأينما كنت اليوم — في المدرسة، أو العمل، أو بيتك، أو في رحلة — كن مستعدًا لتشارك ماء الحياة المسيح. لأن التلميذ الحقيقي ليس إلا من يخدم بإخلاص في الوقت المناسب وغير المناسب.
كولوسي ٣: ٢٣-٢٤«وَكُلّ مَا عَمِلْتُم فَاعْمَلُوه مِنَ الْقَلْبِ كَأَنَّكُمْ تَعْمَلُونَ لِلرَّبِّ وَلَيْسَ لِلنَّاسِ، عَالِمِينَ أَنَّكُمْ مِنَ الرَّبِّ تَرِثُونَ جَزَاءَ الْمِيرَاثِ. لأَنَّكُم تَخْدِمُونَ الرَّبَّ الْمَسِيحَ.»
شالوم.
شارك هذه الرسالة ليُشجع آخرون أيضًا على خدمة الرب حيثما وضعهم.
Print this post
احفظ اسمي، بريدي الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح لاستخدامها المرة المقبلة في تعليقي.
Δ